الحر العاملي
38
إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات
واعلم : أنه يظهر بالتتبع أن النبي والأئمة عليهم السّلام كانوا في غاية الاعتناء والاهتمام بإظهار النصوص والمعجزات من أول زمان النبوة إلى زمان الغيبة الكبرى في مدة تزيد على ثلاثمائة وخمسين سنة ، لكن كان يمنعهم من ذلك في بعض الأوقات موانع : منها : علمهم بعدم قبول الناس للنص والإعجاز . ومنها : الخوف من حصول الضرر لهم ولشيعتهم من القتل وما دونه . ومنها : الخوف من ضلال الناس وإنكارهم للدين بسبب قصور الفهم . ومنها : خوفهم من أن يظن بهم السحر والكهانة . ومنها : خوفهم من اعتقاد الناس فيهم الغلو . ومنها : خوفهم من حسد الناس وعداوتهم . ومنها : علمهم بعدم احتياج الحاضرين في ذلك الوقت إلى النص والإعجاز لسماعهم له من قبل واعترافهم به . ومنها : خوفهم من نقله ووصوله إلى أعدائهم . ومنها : خوفهم من ترتب مفاسد أخر حتى أن شدة التقية كانت تمنعهم أحيانا من دعوى الإمامة ، وربما تلجئهم إلى إنكارها ودفعها عن أنفسهم ، بل الإقرار بإمامة غيرهم وخلافته وبيعته والاقتداء به ، ومع جميع هذه الموانع قد ظهر من النصوص والمعجزات ما لا يحصى . إذا عرفت هذا ؛ فقلة النصوص والمعجزات في بعض الأبواب الآتية وكثرتها في الباقي سببه وجود الموانع المذكورة أو نحوها من مقتضيات الأحوال أو اندراس أكثر الكتب المشتملة على أخبارهم عليهم السّلام إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة والعجب من بقاء ما بقي لا من ذهاب ما ذهب ؛ لما عرفت من وفور الموانع ، ومع ذلك فإن ما وصل إلينا كاف بل يزيد على قدر الكفاية لمن أراد الهداية والرجوع عن الضلالة والغواية وقد ذكر جماعة من علمائنا وجوها بمنزلة النص والإعجاز تدل على إمامة أئمتنا عليهم السّلام . منها : العلوم التي ظهرت عنهم من التوحيد وسائر الأصول والفروع كما يظهر لمن تتبع آثارهم وآثار من تقدم عليهم ، وكل من اطلع على ذلك علم أنهم أعلم الناس ، والأعلم هو الإمام لما ثبت عقلا ونقلا ، وناهيك بأن جميع أعدائهم من